غرفة الطوارئ

حنية الاخ علو أخوه

حنية الاخ علو أخوه

جميع زياراتي لغرفة الطوارئ سابقا تتفق مع ذكرى واحدة هي انني لا اريد التذكر و أرغب بعمل حذف لذلك الملف من الذاكرة. اما زيارتي الاخيرة فهي ذكرى تعبرني كل يوم تذكرني بالتواجد بحضرة العظماء.

وسط اهات المرضى ودموع الامهات و نظرات قلق يخفيها الرجال بابتسامات زائفة ونكات سمجة و سيجارة يحرقها نفس مكبوت، تسكن الدعوات و الصلوات اروقة غرفة الطوارئ، تتسع ممراتها و يميد يمينها عن يسارها ترقبها أعين تعبة.

يلبس ساكني غرفة الطوارئ حلة ملائكية تلوح سكينة و قدسية كالتي نراها بالاخوات في الكنيسة كما في عاملي الحرم، عملهم لا يقتصر على مسمى وظيفي: طبي كان او اشعاعي، و لكنه إنساني، فخلال اقل من 10 دقائق تسمح العلاقة بأن تتحمل مناغشة الطبيب المقيم ، و مجاملة الممرض ، و أكيد صداقة المحاسب.

أذكر كيف زفتني سيارة الاسعاف للمستشفى ، و كيف ساندني الممرض و السائق و حملونني برفق لغرفة الطوارئ و التي ازدانت بوابتها بحماية من يلبسون النظارات الشمسية ليلا و يجحرون الطير في السما و لا يبتسمون و يتكلمون من طرف الفم: من وين جايين؟ من جماعة الداخلية؟!

رأيت ابتسامة مؤازرة من ممرضة خجولة  عيناها قالت الف مرة الله يكسر ايديهم؟ و مساندة أخ يلبس الاخضر ليس أقل من أخ يفحص الضغط و يزيل الدم بقطنة بيضاء و يطمئن الاهل، و نظرات ترقب و تمحيص تلاحقني، و همسات تنطلق كالالعاب النارية، حادة و مفاجئة و أحيانا  قاسية.

يحضر الطبيب المقيم على عجل و يسأل بذكاء كيف انجرحت؟ شو اللي ضرب راسك؟ خجلت ان أقول أخي من ضربني فاكتفيت بالقول وقعت!

بسم الله، لا حول و لا قوة إلا بالله، قالها الطبيب المختص أثناء تقطيب الجرح، قالها بحنان كصديق قريب يتوجع لوجع اقوى و أثناءها دخل رجل أمن سالني بأخوة ماذا حصل؟ استسلمت لشعور فضفضة أخ لأخ عن ظلم أخ، ٍسألني: لماذا لم تهرب، أجبت: إلى أين؟ أخبرني بكل تحضر إن أردت التقدم بشكوي، فعلي زيارة المخفر، أجبته : ولو احنا أولاد عم، فأجابني: لأ، احنا أخوان.

لا زلت اعود لغرفة الطوارئ فهناك صار لي اخوة و اصدقاء جمعتني بهم لحظات حرجة كانت مشبعة بهم واحد هو الانسانية. غرفة الطوارئ كانت الوطن برجالها و نسائها، بطبيبها و ممرضها و محاسبها،و حتى رجل أمنها، الوطن كان حاضرا هناك يستقبل ابناءه دون النظر لنوع البسطار و لا جهة النهر و لا تاريخ المولد الجديد ولم يميز ان حملت حجرا بيدي او علما أو لافتة احتجاج.

الوطن كان بغرفة الطوارئ والعظماء من كان همهم الوطن و مدوا الايدي لنجاة الوطن، شكرا تبدو كلمة صغيرة بجانبكم، احساس غامر بالعرفان لكم و السعادة باني عشت لحظة وطن. الوجع كان وجع الوطن وهو وجع الجميع عند رؤية دم الاخوة، فالوطن للجميع و فوق الجميع

Add to FacebookAdd to Twitter